ليلة القبض على الديك

كذّبت نفسي عندما قرأت الخبر... وتساءلت، هل أنا في لبنان أم في فيينا؟ عن جدّ، نيّال من له مرقد عنزة في الضاحية الجنوبية لبيروت

 نعم حسدت المواطنين المقيمين في تلك الناحية على الانضباط المجتمعي الرفيع، وحسن سير الشأن العام، والتنظيم الحضاري، وعين السلطة المحلية التي لا تنام، مجسدة بالحضور الوازن لبلدية الغبيري لصاحبها حزب الله حفظه الله. فالبلدية التي تسهر على راحة أبناء منطقتها الإدارية، وتلاحق الشاردة والواردة من شؤونهم، أقدمت على ما لم تقدم عليه بلدية أخرى في لبنان، آخذة في طريقها السبْق في الحرص على وضع الحلول الفورية للمشاكل التي يمكن أن تطرأ في أي لحظة وتقلق الأهالي الكرام. فبعملية نوعية ذات بعد استراتيجي، أقدمت فرقة كوماندوس من شرطة بلدية الغبيري الغرّاء، على مداهمة مبنى في منطقة الشياح وألقت القبض على أحد الديوك، عقب شكوى تقدم بها بعض سكان المبنى من صياحه المزعج، وقد اقتادته مخفوراً  إلى "حيث ألقت رحلها أمّ عمروٍ" حتى يعاد تأهيله، وكمّ فمه (منقاره) "بالتي هي أحسن"، ليكون عبرة لمن اعتبر!! 

فالصياح كما هو معلوم أيها السادة، يوقظ النيام من سباتهم، يستنفر الوعي، ويستدعي التفكير والتساؤل والغضب أيضاً. فيما المطلوب أن يهنأ الناس بخدرهم العميق، فلا تنتبه بصيرتهم لواقعهم المزري وقد شقّقه جفاف الرزق كأرضٍ بور، ولا ينتفضوا ضد الجوع الذي يخبط بقبضتيه على أبواب شققهم، فيما الحاجة تُريق ماء وجوههم أمام كراتين الإعانات، وطوابير الخبز. أما الأمن الفالت من عقاله، فتفاقمه عربدة العصابات المنظمة بكبتاغونها وسمومها. والاشتباكات المتنقلة بين الحين والآخر، يغذيها تفلّت السلاح، ناهيك عن تكاثر جرائم الخطف مقابل فدية، والسرقات التي لا توفر أبسط الأشياء إلى أكثرها جسامةً، ما استدعى مؤخراً من قوى الأمر الواقع إياها، الاستعانة بالدولة في سابقة غير مألوفة... وعَوْدٌ على بدء، فإن ما زاد الطين بلّة، أنّ الديك الذي اعتقله القوم بالجرم المشهود، لم يرفع عقيرته بالصياح إلا في موسم الانتخابات النيابية حيث لا صوت يعلو على صوت المعركة! إنها لعَمري المؤامرة بعينها! فمن يتجرّأ على إيقاظ النيام، لا بد أن يكون متواطئاً، عميلاً، متآمراً، يتربّص شراً بملائكة الرحمن المتسلحين بأغصان الزيتون، الممسكين بمقدّرات الضاحية وما يتبعها من مقرّات رسمية وأقاليم على امتداد الوطن، ويُضمر الإطاحة بسلطانهم الجميل، ومآثرهم الجليلة في جنة خُلدهم التي يشار إليها بالبَنان. ولأنهم يعتقدون جازمين أنه ما لم يَصِح الديك، لا يطلع النهار، اعتقلوا الديك، وكمنوا للنهار مخافة أن تتسرّب شمسه من بين أصابعهم، وفي غفلة من قبضتهم...

حاسبوهم في الصندوق...