سوريا تفرض "خوة" على استيراد الموز اللبناني وتهدّد بكساد الموسم


يحتار النظام السوري كيف يردّ للبنان الجميل باستضافته أكثر من مليونَي نازح منذ العام 2011! فعدا عن «وضع عصي» إنعدام الضمانات الأمنية، والسياسية والمعيشية في «دواليب عربة» عودتهم، يتعمد إثقال المجتمع المضيف، المنهك بالانهيار الاقتصادي، بالمزيد من الأحمال المادية المجحفة. وخلافاً لاتفاقية التيسير العربية، ومبدأ المعاملة بالمثل، يستمر النظام بفرض رسم باهظ على المرور، ويبتكر شتى أنواع الرسوم على الصادرات الزراعية اللبنانية.

 


صباح يوم أمس دخل القرار السوري باضافة رسم على صادرات الموز من لبنان حيز التنفيذ. وخلافا للقرار الأساسي الذي نص على فرض رسم يعادل 200 ليرة سوري على الكيلو الواحد، تفاجأ المصدّرون بأن الرسم المستحدث يساوي على أرض الواقع 1000 ليرة سورية على كل كيلوغرام موز قائم مستورد، أو ما يعني مليون ليرة سورية على الطن الواحد، تعادل 182 دولاراً أميركياً على أساس سعر الصرف في السوق السوداء (1 دولار = 550 ليرة سورية). القرار أتى عقب تخفيض سوريا كمية الموز اللبناني المستورد من حوالى 50 ألف طن في العام 2021 إلى 40 ألف طن حالياً، وفرض إجازات استيراد على التجار السوريين، على أن لا تتعدى الإجازة الـ 500 طن للمستورد الواحد»، بحسب رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة تجارة وصناعة وزراعة زحلة والبقاع طوني طعمه. و»ذلك بهدف إنشاء صندوق لدعم مزارعي الحمضيات الذين أصيبوا هذا العام بخسائر نتيجة ضعف الموسم».

إعدام القدرة التنافسية للموز اللبناني

في الوقت الذي لا توجد فيه كميات كافية من الموز في سوريا، ويتجاوز سعر الكيلو 1.5 دولار، ويصل في الكثير من المناطق إلى 2 دولار، يبلغ السعر بالجملة في لبنان حوالى 0.5 دولار. الامر الذي كان من شأنه رفع الصادرات اللبنانية بشكل كبير، وتعزيز إيرادات المزارعين والتعويض عن تراجع البيع في الاسواق الداخلية. هذه الفرصة المهمة لتصريف الإنتاج وتعويض الخسائر حرم منها أكثر من قطاع إنتاجي وخدماتي لبناني. فالرسوم على شاحنة محملة بـ 22 طناً من الموز بلغت يوم أمس 22 مليون ليرة سورية، أو ما يعادل حوالى 4000 دولار أميركي. وهذا الأمر كفيل بوقف التصدير، أو تخفيضه إلى المستويات الدنيا بسبب فقدان الموز اللبناني القدرة التنافسية في الاسواق السورية. وعندما يتراجع التصدير بسبب الرسوم المرتفعة، يكسد الانتاج الزراعي، ويتوقف عمل التجار المصدرين، وينخفض الطلب على الشاحنات المبردة، وتقل الاستعانة بالمخلصين الجمركيين. ما يمثل «نكسة حقيقية للاقتصاد»، بحسب طعمة، «تضاف إلى سلسلة النكسات التي مني بها القطاع الزراعي من الجانب السوري».

رسوم المرور المجحفة

بالإضافة إلى الرسم الجديد على الموز، يستمر العمل بمجموعة من الرسوم والإجراءات الإعتباطية التي تخالف الإتفاقيات المعمول بها بين الدول العربية، وبين البلدين «الشقيقين». ومن هذه الرسوم:

- رسم العبور عبر الاراضي السورية. وهو رسم على الشاحنات المحمّلة والفارغة يساوي وزن الشاحنة مضروباً بعدد الكيلومترات التي تقطعها داخل الاراضي السورية، مضروباً بـ 0.108 دولار. وقد بدأ استيفاء هذا الرسم بعد إعادة فتح المعابر. ولا سيما منها، معبر نصيب بين الاردن وسوريا.

هذا الرسم ارتفع من حدود 40 دولاراً قبل إقفال الطرقات، كان يتقاضاها النظام السوري كرسم تخليص عند الدخول من أحد المعابر الشرعية الثلاثة (المصنع، العبودية، والعريضة) على الشاحنة الواحدة، إلى 100 دولار بعد إعادة فتح المعابر الحدودية. وهذا الفرق المقدر بـ 60 دولاراً على الشاحنة، سمي بضريبة الحرب تارة، وبضريبة الإعمار تارة أخرى. من ثم ما لبث أن ارتفع إلى 0.108 دولار مضروباً بوزن الشاحنة وبعدد الكيلومترات التي تقطعها». ويضاف إلى هذا الرسم الباهظ رسم غير مسمى بمقدار 200 ألف ليرة سورية، لا يتم إعطاء إيصال به. هذا طبعاً عدا الرشاوى التي يضطر المصدرون إلى دفعها لعدم العرقلة. كل هذه الرسوم «غير محقة»، من وجهة نظر طعمة. و»هي تتناقض مع حرية التصدير من دون رسوم على خط الترانزيت بين الدول العربية والذي يقع لبنان في آخره على طرف البحر الابيض المتوسط. وعلى الرغم من المطالبات الحثيثة للمسؤولين اللبنانين، ومناشدتهم التوسط مع الجانب السوري لرفع هذه الضرائب، فان شيئاً لم يتغير»، يؤكد طعمة. «وذلك رغم الوعود التي أطلقوها، وبعضها كان على الهواء مباشرة. عندما تعهد وزير الزراعة عباس الحاج حسن برفع هذه الضريبة من على منبر أحد البرامج الحوارية على الشاشة الصغيرة».

لا مكان للمنطق

بدلاً من رفع الرسوم القديمة، عمد النظام السوري إلى فرض ضريبة جديدة. وكأني به يقول للمسؤولين اللبنانيين، ولا سيما الحلفاء منهم، أن لا مكان للمنطق في العلاقات بين البلدين، هذا طبعاً بعد وضع الأخوة والتنسيق جانباً. «وأمام هذا الواقع ينبغي على السلطات اللبنانية المتراخية في تطبيق أبسط الإجراءات التنظيمة في ما خص مرور الشاحنات السورية في أراضيها، تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل»، برأي طعمة. و»قبل البدء بفرض رسوم على المرور بالاراضي اللبنانية، على القوى الامنية أن تنظم دخول الشاحنات. فكما تمنع السلطة السورية مرور الشاحنات اللبنانية فرادى في أراضيها، وتجبرها على السير في قافلة ترافقها سيارات أمنية، على لبنان أن يفعل المثل. إذ إن بعض الشاحنات السورية التي تدخل إلى لبنان بحجة تحميل أو تفريغ البضائع تقوم بعمليات نقل داخلية. وعدا عن أن هذا الأمر مخالف للقانون، فان تقادم الشاحنات السورية يعرض السلامة المرورية في لبنان إلى الخطر. إذ دائماً ما تتعطل فراملها على «طريق الموت» التي تصل بيروت بالبقاع وتتسبب بكوارث». وبرأي طعمة «يجب عدم السماح لها بالسير داخل الاراضي اللبنانية إلا ليلاً وبقافلة ترافقها القوى الامنية».

رسم أشبه بـ «الخوة»

مصادر مزارعي الموز، خصوصاً المصدرين، شبهت الرسوم السورية سواء كانت على المرور أو على البضائع بأنها «خوة»، تقتطع من دون وجه حق. فهي تخالف إتفاقية التيسير العربية (إتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى) التي دخلت حيز التطبيق منذ العام 2005.

والتي نصت على إمكانية أي بلد لديه وفر في المنتجات التصدير إلى بقية الدول من دون أي عوائق أو رسوم. وبرأيهم فان إجراءات النظام السوري ما كانت لتطبق لولا ضعف لبنان وانقساماته الداخلية. ذلك مع العلم أن حلفاء النظام السوري سيكونون أكثر المتضررين نظراً لانتشار زراعة الموز على الساحل، وتحديداً في المنطقة الجنوبية منه.

أمام كل ما تقدم يناشد المزارعون السلطات المعنية وضع حد لهذه الخروقات التي تنعكس سلباً على مختلف المفاصل. كما يطالبون الدولة بضبط الحدود والمعابر الشرعية وفحض البضائع الي تأتي من سوريا، خصوصاً في ظل استغلال الشحنات لتهريب الممنوعات والتأثير سلباً على علاقات لبنان مع الدول العربية.

كم يكلّف رسم العبور من لبنان إلى العراق والاردن؟

بعملية حسابية بسيطة، فان الشاحنة المحملة زنة 44 طناً المتوجهة من لبنان إلى العراق تكلف (44 طن * 975 كلم *0.108 = 4324 دولاراً. وتكلف في طريق العودة عندما تكون فارغة حوالى 1900 دولار (18 طن *975*0.108). ما يعني أن هناك 6300 دولار تضاف على أسعار المنتجات اللبنانية المصدرة عبر سوريا. وعلى كل طن إضافي فوق 44 طناً يفرض رسم (طوناج) بقيمة 20 دولاراً.

أما بالنسبة إلى التصدير عبر سوريا إلى الأردن، فيكلف أقل لان المسافة المقطوعة هي فقط 175 كلم. ومع هذا فان الشاحنة الواحدة تدفع ذهاباً وإياباً حوالى 1400 دولار أميركي. وعلى كل طن إضافي 20 دولاراً أيضاً.