الخارج يبحث عن "هذا الرئيس"... إلى متى الفراغ؟

يستغلّ الأفرقاء السياسيون في الداخل الانشغالات الدولية من أوكرانيا الى طهران فشمال سوريا، لتعطيل الاستحقاق الرئاسي انتظاراً للحظة ما ملائمة لمآربهم، لا سيما منهم محور «الممانعة»، الذي لم يتمكّن أساساً من حلّ مشكلاته داخل فريقه السياسي والاتفاق على مرشح واحد للرئاسة. في المقابل، لا تزال «المعارضة السيادية» متمسّكة بمرشّحها بمعزل عن اقتناعها بإمكانية إيصاله.

هذا «الاستغلال» ينطلق من أنّ «العصا» الخارجية لم تُشهر بعد في وجه معرقلي انتخاب رئيس جديد للجمهورية. لكن على رغم أنّ الدول الخارجية لا تعمل على الملف الرئاسي بسرعة «فوق صوتية»، إلّا أنّها تتعامل مع هذا الملف عن طريق المفاوضات على قاعدة: عدم المواجهة وتأمين مصالح الجميع. هذا العمل الدولي على الملف الرئاسيّ تقوده فرنسا بحيث تتولّى الاتصالات بين الجهات المعنية به في الخارج والداخل، خصوصاً على الخط السعودي- الإيراني- الأميركي. وترى مصادر ديبلوماسية مطّلعة على هذا المسار، أنّ مواقف الجهات السياسية الأساسية في لبنان تدلّ الى انتظار «تليفون» حاسم من الخارج، وفي انتظار الكلمة الخارجية الأخيرة، ونتيجة الحوار الدائر بين الدول المعنية، ستبقى المواقف «مجرد مواقف» لزوم المعركة الرئاسية، بينما القرار رئاسياً بات من المُستبعد أن يُتخذ في الداخل.

وانطلاقاً من المعطيات عن الاتصالات الفرنسية- الأميركية- الإيرانية- السعودية، توضح هذه المصادر التي سبق أن شاركت في مفاوضات رئاسية، أنّ أحداً لا يعلم كم من الوقت تحتاج هذه المفاوضات لكي تصل الى نتيجة، إلّا أنّها تنطلق الآن من مبادئ أساسية، أوّلها أن لا تطول مدة الفراغ حتى ينهار البلد، ومن أنّ مصالح هذه الدول كلّها تلتقي على عدم حصول الفوضى في لبنان، والفراغ قد يخلق فوضى، إن دستورية وطائفية أو اجتماعية وأمنية. وبالتالي، إنّ الرئيس ليس مهماً للخارج بصلاحياته ولكي «يشيل الزير من البير»، بل لأنّه عامل من عوامل الاستقرار أو عدم الفوضى. فأي من هذه الدول ليس من مصلحته أن ينهار لبنان كما حصل عام 1982، ما يعني أنّ حدود إتمام الاستحقاق الرئاسي تنتهي عند حدّ فقدان السيطرة على البلد.

لكن هذا لا يعني أنّ الخارج قادر على إنتاج رئيس فوراً، وبمعزل عن المواقف الداخلية المتشابكة بدورها مع الارتباطات الإقليمية. فهذه المفاوضات التي تقودها فرنسا بعد أن فتحت باب حوار مع إيران و»حزب الله»، يعمل عليها الفرنسيون بطريقة ترضي حلفاءهم من جهة وإيران من جهةٍ ثانية، في وقتٍ تبرز تعقيدات على الخط الإيراني، متعلّقة بوضع طهران إن لجهة الاحتجاجات الداخلية وإن لجهة مساعدة إيران لروسيا في الحرب على أوكرانيا... وبالتالي إنّ المفاوضات أكثر تعقيداً مع إيران وتتطلّب وقتاً للحلّ والحسم. لذلك، ترى المصادر نفسها، أن لا رئيس للجمهورية في المدى المنظور، لكن الفراغ لن يطول كما حصل بين عامي 2014 و2016. وتبقى إيران هي العقدة الأساسية في هذه المفاوضات، وليست السعودية التي سبق أن توصّلت فرنسا معها الى أحد الحلول لمساعدة لبنان وهي المساعدات الإنسانية، فالسعودية لن تقف ضدّ فرنسا وحلفائها. لكن في المفاوضات، هناك مطالب لكلّ دولة، وسيبقى الانتظار عنوان المرحلة الى حين الوصول الى نقطة الالتقاء رئاسياً.

بالتوازي، لا يزال باب «الفرج» رئاسياً مقفلاً في الداخل، إذ إنّ «حزب الله» لا يريد رئيساً يطرح موضوع سلاحه، فمواقف رئيس الجمهورية لها وقع مختلف عن مواقف أي سياسي، ورئيس من هذا القبيل مرفوض من «حزب الله» ووصوله يعني عدم الاستقرار وصولاً الى حرب أهلية. في المقابل لا تزال «المعارضة السيادية» تتمسّك برئيس، كمرشحها النائب ميشال معوض، يعتبر «الحزب» أنّه رئيس تحدٍ ومواجهة. لذلك هناك صعوبة في إيجاد رئيس مع «حزب الله» والفريق المعارض في الوقت نفسه أو ضدّ إيران والسعودية على حدٍ سواء.

وبسبب هذا الانقسام في البلد، لن تكون المفاوضات الخارجية سهلة وسريعة. أمّا لجهة الأسماء، فيبدو أنّ كلّ الطرقات توصل إلى اسم واحد، على الأقلّ في هذه اللحظة السياسية، بحيث يجري البحث عن رئيس ليس بالضرورة أن ترغب فيه كلّ القوى، بل أن لا يعترض عليه الجميع. وهذه المواصفات يبدو أنّ الوحيد الذي «يلبسها» الآن، هو قائد الجيش العماد جوزاف عون. فحتى الآن لا اعتراضات جدية من أي فريق عليه، وهو يتعامل مع «حزب الله» منذ سنوات بحكمة ولم تحصل أي مواجهات بينهما، ولا مشكلة بينه وبين السعودية، فالجيش كان فاعلاً في مسألة تهريب المخدرات وقام بكلّ ما هو مطلوب منه، وعلى رغم أنّ لا صداقة تربط قائد الجيش بالسعودية إلّا أنّ لا إشكالية بينهما أيضاً.

وبالتالي، إنّ البحث في الأسماء المطروحة، يوصل الى اسم العماد عون رئاسياً، فرئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ورئيس تيار «المرده» سليمان فرنجية يرفضهما نصف الشعب اللبناني، والمرشح الثالث غير «مضمون بالنسبة الى «الحزب»، والمرشح «السيادي» يمنع «حزب الله» وصوله. وهذا الانقسام اللبناني يجعل الخارج يبحث عن رئيس يكون «جسراً»، ما يرفع من حظوظ وصول قائد الجيش. لكن هذه التسوية لم تختمر بعد، وقد تبرز عوامل خارجية تغيّر مكونات «الطبخة» قبل نضوجها، فلا مفاجأة رئاسية قريباً.