خطة السلطة للربيع المقبل

في الأسابيع القليلة المقبلة، ليس في الأفق ما يوحي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. قد يعود الأمر جزئياً إلى النزاع «المحلي» بين حلفاء «حزب الله» أنفسهم أو بين الحلفاء والخصوم، لكن الخلفية الأعمق للمراوحة هي أنّ قوى السلطة، وفي مقدّمها «حزب الله»، تريد إنضاج الظروف لتأتي التسوية الرئاسية في أفضل الشروط الإقليمية والدولية، وتحقِّق المقدار الأكبر من المكاسب.

في العلن، يتأرجح ملف الرئاسة بين 4 فئات من المرشحين: حلفاء «حزب الله» (جبران باسيل وسليمان فرنجية)، خصوم «حزب الله» (ميشال معوض)، المرشح المصنَّف توافقياً من داخل المؤسسات قائد الجيش العماد جوزف عون، والمرشحون المصنَّفون توافقيين من خارج المؤسسات (زياد بارود وجهاد أزعور وآخرون).

 

إذا تُرِك «حزب الله» لخياراته المفضَّلة، فبديهي أن يتمسك بمرشح من الفئة الأولى، علماً أنّ هذه الفئة يمكن أن تتسع لتشمل موارنةً آخرين، محسوبين من داخل «الخطّ»، قد يؤدي اعتمادهم إلى تجاوز أزمة الاختيار بين باسيل وفرنجية. لكن هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً حتى الآن. والأرجح هو أنّ «الحزب» يفضِّل رئيساً يمتلك قاعدة تمثيلية، ليوفّر التغطية المسيحية للعهد.

 

ولكن، كخيار ثانٍ، لا يضع «الحزب» «فيتو» على قائد الجيش. وحديث بعض نوابه عن علاقة ممتازة بين الطرفين فيه توصيف دقيق. إذ ليست لدى «الحزب» مآخذ على نهج العماد عون، على رغم الأقاويل التي تتردّد أحياناً، وعلى رغم تذكير الأوساط الحزبية دائماً بالرئيس ميشال سليمان والتجربة التي بدأت معه جيدة، في العام 2008، لكنها انتهت سلبية.

 

بالتأكيد، يفضّل «الحزب» أن «يريح رأسه» بوجود حليف مباشر كباسيل أو فرنجية في بعبدا. لكن القبول بخيار ثانٍ، ولا سيما بقائد الجيش، يصبح ممكناً إذا جاء ضمن صفقة متكاملة مغطاة عربياً ودولياً ومُربِحة، إذ يُمنح «الحزب» فيها مكاسب ومواقع قوية في هذه المرحلة الانتقالية أو التأسيسية:

 

في الدرجة الأولى، يريد «الحزب» أن يكون له القرار الأقوى في الحكومة المقبلة، برئيسها وتركيبتها وبرنامجها، وأن تكون له الحصة الوازنة في التشريعات والتعيينات والتشكيلات المطروحة في الأشهر المقبلة، ومنها مثلاً إدارة قطاع الغاز والنفط والصندوق السيادي الذي يُفترض أن تُستَودَع فيه مليارات الدولارات.

 

وهناك أيضاً حاكمية المصرف المركزي التي تقترب من استحقاق التجديد في نهاية أيار المقبل، وإعادة تركيب القطاع المصرفي القائم تقليدياً على ركائز مسيحية وسنّية ودرزية، ويغيب عنه الشيعة. وأيضاً، هناك عدد من الأهداف التي ينتظر «الحزب» فرصة تحقيقها داخل النظام والسلطة ومواقع القوة في البلد. وعلى الأرجح، هو لن يسهّل أي عملية نهوض للبلد إلّا إذا حققها.

 

العارفون يقولون: لو عادت الأمور إلى «الحزب» من دون أي تأثير آخر، سيختار الاستمرار في تجربة عون من خلال باسيل، لأنّ ذلك يجنّبه المواجهة الشاملة مع القوى المسيحية السياسية والروحية. لكنه محشور بالوعد الذي قطعه لفرنجية قبل 6 سنوات.

 

ولكن، إذا حان موعد التسوية، فلا مانع من السير بمرشح يحظى بإجماع مسيحي وإسلامي داخلي ودعم عربي ودولي كقائد الجيش، مقابل أثمان مباشرة يقبضها «الحزب»، فعندئذٍ يصبح ممكناً القبول به.

 

واقعياً، وفي أي حال، وأياً يكن الشخص الذي سيأتي إلى بعبدا، فإنّ الهامش الذي سيتمتع به «مضبوط»، ولا أحد يمكنه الخروج عن الوقائع والتوازنات القائمة حالياً، ولا الإخلال بالتفاهمات القائمة ضمنياً مع «حزب الله»، حول سلاحه ونفوذه داخل المؤسسات ومواقع القرار، وتموضع لبنان الإقليمي.

 

لذلك، ما يجري اليوم في الملف الرئاسي، هو مجرد كسب الوقت حتى إنضاج الخيار الأفضل والأقرب إلى التحقُّق. ولذلك، سينام الملف في شهر الأعياد. وخلاله، ستنصرف قوى السلطة إلى تدبير طريقة لبقاء الدولة على قيد الحياة، بالحدّ الأدنى. وفي الدرجة الأولى، هي تأمل في اقتناص أكثر من مليار دولار من المغتربين الوافدين والسياح، على غرار ما فعلت في موسم الانتخابات النيابية والصيف، عندما اقتنصت منهم ما يقارب المليارين ونصف المليار من الدولارات.

 

وخلال هذه الفترة، قرّرت السلطة أن تصمد بأي ثمن، ولو مارست أعلى درجات الوقاحة والاستشراس ضدّ الناس. وكما لم يسبق لها أن فعلت منذ 2019، ستمدّ يدها إلى جيوب المواطنين الفارغة أساساً، ليدفعوا في آن معاً كل الأسعار في شكل مضاعف:

 

الدولار الجمركي الذي سينعكس كارثياً على الفقراء، ورسوم الكهرباء والمياه والمحروقات والأدوية وسائر أسعار الخدمات والرسوم والضرائب فوراً. وتمّ ترتيب اعتماد دولار الـ15 ألف ليرة في مطلع شباط المقبل… افتراضياً.

 

وأما خطة النهوض المالي فلا تتجاوز عملياً حدود التصرُّف بأسعار الصرف، والتطمين إلى احتياط الذهب، وبدء ترتيب القطاع المصرفي. وسيتزامن ذلك مع بلوغ ولاية سلامة ختامها، في نهاية أيار، وهو الذي يكلِّفه الطاقم السياسي «تدبير الأمور»، إلى أن تحين ساعة الحلول. وبعد أن ينهي الحاكم ولايته، سيكون لكل حادث حديث.